ابن عطية الأندلسي

163

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

وقوله : فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ تجديد للأمر وتأكيد وتنبيه على ترك التعنت ، فما تركوه ، و ما رفع بالابتداء ، و لَوْنُها خبره ، وقال ابن زيد وجمهور الناس في قوله صَفْراءُ ، إنها كانت كلها صفراء ، قال مكي رحمه اللّه عن بعضهم : حتى القرن والظلف ، وقال الحسن بن أبي الحسن وسعيد بن جبير : كانت صفراء القرن والظلف فقط ، وقال الحسن أيضا : صَفْراءُ معناه سوداء ، وهذا شاذ لا يستعمل مجازا إلا في الإبل ، وبه فسر قول الأعشى ميمون بن قيس : [ الخفيف ] تلك خيلي منه وتلك ركابي * هنّ صفر أولادها كالزبيب والفقوع : نعت مختص بالصفرة ، كما خص أحمر بقانئ ، وأسود بحالك ، وأبيض بناصع ، وأخضر بناضر ، و لَوْنُها فاعل ب فاقِعٌ . و تَسُرُّ النَّاظِرِينَ قال وهب بن منبه : كانت كأن شعاع الشمس يخرج من جلدها ، فمعناه تعجب الناظرين ، ولهذا قال ابن عباس وغيره : الصفرة تسر النفس ، وحض ابن عباس على لباس النعال الصفر ، حكاه عنه النقاش ، وحكي نهي ابن الزبير ويحيى بن أبي كثير عن لباس النعال السود ، لأنها تهمّ ، وقال أبو العالية والسدي : تَسُرُّ النَّاظِرِينَ معناه في سمنها ومنظرها كله ، وسألوه بعد هذا كله عما هي سؤال متحيرين قد أحسوا بمقت المعصية ، و الْبَقَرَ جمع بقرة ، وتجمع أيضا على باقر ، وبه قرأ ابن يعمر وعكرمة ، وتجمع على بقير وبيقور ، ولم يقرأ بهما فيما علمت ، وقرأ السبعة : « تشابه » فعل ماض ، وقرأ الحسن « تشّابه » بشد الشين وضم الهاء ، أصله تتشابه ، وهي قراءة يحيى بن يعمر ، فأدغم ، وقرأ أيضا « تشابه » بتخفيف الشين على حذف التاء الثانية ، وقرأ ابن مسعود « يشابه » بالياء وإدغام التاء ، وحكى المهدي عن المعيطي « يشّبّه » بتشديد الشين والباء دون ألف ، وحكى أبو عمرو الداني قراءة « متشبه » اسم فاعل من تشبّه ، وحكي أيضا « يتشابه » . وفي استثنائهم في هذا السؤال الأخير إنابة ما وانقياد ودليل ندم وحرص على موافقة الأمر ، وروي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « لولا ما استثنوا ما اهتدوا إليها أبدا » ، والضمير في إِنَّا ، هو اسم إِنَّ ، و « مهتدون » الخبر ، واللام للتأكيد ، والاستثناء اعتراض ، قدم على ذكر الاهتداء ، تهمما به . قوله عزّ وجل : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 71 إلى 73 ] قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ ( 71 ) وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ( 72 ) فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ( 73 ) ذَلُولٌ : مذللة بالعمل والرياضة ، تقول بقرة مذللة بيّنة الذّل بكسر الذال ، ورجل ذلول بين الذّل بضم الذال ، و ذَلُولٌ نعت ل بَقَرَةٌ ، أو على إضمار هي ، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي : « لا ذلول » بنصب اللام . و تُثِيرُ الْأَرْضَ ، معناه بالحراثة ، وهي عند قوم جملة في موضع رفع على صفة البقرة ، أي لا ذلول